مجلة الدستورية التى تصدرها المحكمة الدستورية العليا
مقدمة
1 - كان ضبط ودقة الاصطلاح محل اهتمام لجان وضع القانون المدنى "فلم تعد المصطلحات القانونية – في التقنين المدني – تضطرب أو تتعارض، بل إن المصطلح القانوني ليرد في جميع النصوص لنظام واحد لا يتبدل ولا يتغير" ([1])ولقد جاء التقنين المدني بلغة عربية سليمة يأنس لها ذوق الاصطلاح([2])
2 - فمن أدق المسائل في القانون تحديد وضبط الاصطلاحات حيث يعتبر ذلك المقدمة الضرورية لأي دراسة جادة سواء عند دراسة النصوص التشريعية أو التصرفات القانونية.
وإن كان ذلك يسري في شأن تحديد الاصطلاحات المعروفة، فإن المسألة تزداد تعقيدًا بدخول الجديد من الاصطلاحات التى يبرزها العمل القضائي.
3 – فقد انتشر اصطلاح اعتبار النص التشريعي أو التصرف القانوني أو القرار الإداري كأن لم يكن،وهو ما يعبر عنه بالفرنسية Non avenu. فقد ورد في المادة 12 من قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990، أنه إذا لم تودع النماذج أو القرار الوزاري طبقًا للإجراءات المنصوص عليها في المادة السابقة عُد القرار كأن لم يكن بالنسبة للعقارات التي لم تودع النماذج أو القرارات الخاصة بها.
فمن الصعب أحيانا رد هذه العبارات إلى الاصطلاحات التقليدية المتعارف عليها، وتتعدد الآراء حول المقصودبالإصطلاح بطلان أم انعدام أم فكرة قانونية جديدة.
4 – كما أن هناك بعض الاصطلاحات التي تعبر عن فكرة قانونية هجرت في بعض فروع القانون، وتتواجد بشدة في فروع أخرى. فقد هجر القانون المدني التفرقة بين الانعدام والبطلان، التي وجدت في ظل قاعدة لا بطلان إلا بنص. وعندما زال ذلك المبدأ هجرت تلك التفرقة([3]).
أما في القانون الإداري وفي شأن القرارات الإدارية فإن التفرقة بين القرار الباطل والقرار الإدارى المنعدم تحتل مكانًا هامًا في الفقه والقضاء. بل وجدت صداها في قضاء محكمة النقض حيث اعتبر القرار المنعدم من قبيل العمل المادي، ومن ثم يختص القضاء العادي بنظر دعوى التعويض عن الأضرار الناشئة عن هذا القرار([4]).
5 – وفي ظل التقنين المدني لم يخلو الأمر من وجود بعض العبارات المتماثلة التي تعبر عن اصطلاحات قانونية متباينة مثل سقوط الحق في طلب البطلان، أو سقوط الشفعة، ومدة السقوط ومدة التقادم([5]).
6 - وظهر في القانون المدني الفرنسي المعدل في سنة 2016 فكرة سقوط التصرف القانوني، La Caducité. فنصت المادة 1186 على أنه إذا انعقد العقد صحيحًا فإنه يسقط إذا اختفت أحد عناصره الأساسية. وإذا كان تنفيذ عدة عقود ضروريًا لتحقيق عملية واختفي أحدها،سقطت العقود التي أصبح تنفيذها مستحيلاً نتيجة اختفاء أو زوال أحد هذه العقود([6]). فما هو السقوط؟
وأطل علينا قضاء المحكمة الدستورية العليا بفكرة سقوط النص التشريعي. فلم تكتف المحكمة بالحكم بعدم دستورية نص تشريعي وإنما قضت - في بعض الحالات – بسقوط نصوص تشريعية أخرى.
وفي نفس الوقت ظهر اصطلاح السقوط في ثنايا قضاء محكمة النقض سواء صراحة، أو ضمنًا دون أن يتضمن الحكم عبارة السقوط.
وهذا البحث يستهدف إبراز فكرة السقوط في قضاء المحكمة الدستورية العليا ومقارنتها بالسقوط في التصرفات القانونية طبقًا لما ذهبت إليه محكمة النقض. مع الأخذ في الاعتبار مفهوم السقوط في ظل القانون المدني الفرنسي ومدى التقارب بينه وبين ما توصل إليه القضاء المصري بشأن تلك الفكرة.
7 – ونبدأ بدراسة سقوط التشريع في ظل قضاء المحكمة الدستورية العليا، ثم سقوط التصرفات القانونية في القانون والقضاء المدني، وندرس أخيرًا تأصيل وأساس فكرة السقوط في ظل القضاء الدستوري والقضاء المدني. فهل ما يوجد بينهما مجرد عبارات متماثلة أم أننا أمام فكرة متماسكة تجد تطبيقها فى قضاء المحكمة الدستورية العليا والقضاء المدنى .
المبحث الأول
سقوط التشريع في القضاء الدستوري
أولاً: جزاء عدم الدستورية واثر الحكم بعدم الدستورية:
8 – تطبيقًا للمادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا يترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم ما لم يحدد الحكم لذلك تاريخًا آخر، على أن الحكم بعدم دستورية نص ضريبي لا يكون في جميع الأحوال إلا بأثر مباشر...".
وبهذا فقد حددت تلك المادة أثر الحكم بعدم دستوريةالنص وهو عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم وذلك بحسب الأصل .
فالأثر هو عدم جواز التطبيق بصرف النظر عن تاريخ إعمال هذا الأثر.
فما هو المقصود بعدم جواز التطبيق، هل إلغاء التشريع، أم بطلانه، أم مجرد منع تطبيقه؟
اعتقد أن المشرع قد حرص على عدم الخوض في تكييف عدم دستورية التشريع، وقفز مباشرة إلى الجزاء وهو عدم دستورية التشريع المخالف للدستور وأثر عدم الدستورية هو عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم.
وعدم جواز التطبيق موجه إلى جميع سلطات الدول وللكافة.
ومع هذا فقد درجت بعض أحكام المحكمة الدستورية العليا على تأصيل عدم الدستورية بأنه إبطال للنص وانعدامه.
فقد قضت بأن إبطال هذه المحكمة للنصوص القانونية المخالفة للدستور يعتبر تقريرًا لزوالها نافيًا وجودها منذ ميلادها، وقضاؤها بصحتها يؤكد استمرار نفاذها لخلوها من كل عوار يدينها... وليس مفهومًا أن تكون واقعة نشر الأحكام الصادرة بعدم دستورية بعض النصوص القانونية – في ذاتها حدًا زمنيًا فاصلاً بين صحتها وبطلانها، فلا يكون النص الباطل منعدمًا إلا اعتبارًا من اليوم التالي لهذا النشر([7])
وبعبارات القانون الخاص فإن البطلان هو بطلان مطلق لمخالفة التشريع لقاعدة آمرة متعلقة بالنظام العام وهي القاعدة الواردة فى النص الدستوري.
كما قضت بأنه من حيث إنه متى كان ذلك وكان الحكم بعدم دستورية النص التشريعي المذكور يعني بطلانه، وسقوط النصوص المرتبطة ([8]).
وجاء فىحكم لمحكمة النقض أن النصوص المقضي بعدم دستوريتها تزول بأثر رجعي منذ نفاذها بما يجعلها منعدمة ابتداء لا انتهاء([9]).
9 – وفي إطار أو سياق التأصيل ورد في بعض الكتابات الفقهية القيمة أن "أمامنص المادة 49/1 من قانون المحكمة الدستورية العليا التي قررت أن أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية... ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة نستطيع القول أن أثر حجية الحكم الصادر بعدم الدستورية يؤدي إلى إعتبار القانون كأن لم يكن. وأضاف ان الحجية المطلقة لكافة السلطات بما فيها السلطة التشريعية التي يجب عليها أن تعيد النظر في القانون الذي حكم بعدم دستوريته حتى يتفق مع نصوص الدستور، وكذلك فإن السلطة التنفيذية يجب عليها عدم تنفيذ اللائحة التي قضي بعدم دستوريتها كما يجب أن تلغي اللوائح التي قررت المحكمة عدم دستوريتها([10])
ومما يلفت النظر هو حرص المحكمة والفقه على رد عدم الدستورية إلى بعض مفاهيم القانون خصوصًا القانون الخاص مثل البطلان والإنعدام واعتبار النص كأن لم يكن وهو مفهوم لا يخلو من الغموض، فإن كان النص كأن لم يكن فلا محل لأن تلغيه السلطة التشريعية أو أن تلغي السلطة التنفيذية اللائحة المقضي بعدم دستوريتها.
10 - ونرى أن المشرع قد حرص على وضع الجزاء على مخالفة الدستور وما يترتب على هذا الجزاء بعيدًا عن مفاهيم القانون الخاص أو العام. فالقانون الخاص يتعلق بالتصرفات القانونية بين الأفراد، والقانون العام يرتبط في مجال الإلغاء والبطلان بقرارات إدارية وعلاقة السلطة العامة بالفرد.
أما عدم الدستورية فهو يتعلق أصلاً بمخالفة التشريع للدستور، ولهذا فإن الجزاء يتفق مع طبيعة المخالفة، فمخالفة الدستور جزاؤها عدم دستورية النص.وأثر عدم الدستورية هو الامتناع عن التطبيق.
فلكل فرع من فروع القانون مفاهيمه وأصوله وقواعد احترامه وجزاء مخالفته.
وقد يكون استخدام مفهوم أكثر انتشارا مثل البطلان وسيلة للتقريب أكثر منها للتأصيل، خصوصًا إذا كان المشرع قد حرص على اختيار مصطلحاته منعًا للتداخل مع فروع القانون الأخرى.
فالنص الذي قضى بعدم دستوريته يمتنع تطبيقه أي تشل فاعليته في مواجهة الكافة.
ولقد حرص المشرع على عدم استخدام اصطلاح الإلغاء أو البطلان، وإنما فقط عدم التطبيق وذلك احترامًا لمبدأ الفصل بين السلطات. فإن كان اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالفصل في دستورية القوانين قد جاء بناء على الدستور، فإن ممارسة ذلك يتم بوسيلة تحقق الهدف ولا تمس في نفس الوقت اختصاص السلطة التشريعية التى تملك وحدها إصدار التشريع أو إلغائه، ولقد تمثل ذلك في امتناع الكافة عن تطبيق النص غير الدستوري.
11 – ولقد انتهى قضاء المحكمة الدستورية العليا إلى وضع التأصيل السليم لأثر الحكم بعدم الدستورية بالرغم من استخدام بعض الاصطلاحات الدارجة.
فقد قضت أن النصوص القانونية المحكوم بعدم دستوريتها لا يجوز تطبيقها اعتبارًا من اليوم التالي لنشر الأحكام الصادرة بشأنها في الجريدة الرسمية، وما قصدته المادة 49 من قانون المحكمة لا يعد سوى تجريد النصوص القانونية التي قضي بعدم دستوريتها من قوة نفاذها التي صاحبتها عند إقرارها أو إصدارها، لتفقد بالتالي خاصية الإلزام التي تتسم بها القواعد القانونية جميعها، فلا يقوم من بعد ثمة مجال لتطبيقها. ([11])والفقرة الأخيرة من الحكم توضح بدقة أثر الحكم الصادر بعدم الدستورية وهو تجريد النصوص التي قضي بعدم دستوريتها من قوة نفاذها التي صاحبتها عند إقرارها أو إصدارها. وبعبارة صريحة شل فاعلية النص بفقده عنصر الإلزام. فعدم النفاذ لا يعني إلغاء النص أو بطلانه وإنما سلبه قوة النفاذ فقط وشل فاعليته بصورة كاملة وفي مواجهة الكافة. وعلى هذا يمكن فهم دعوة السلطات المختصة إلى تعديل النص التشريعي الذي قضي بعدم دستوريته. فالحكم بعدم الدستورية يسلب التشريع ويجرده من قوة نفاذهفقط.أما البطلان أو الانعدام أو الزوال فيعني المساس بوجوده وليس بفاعليته.
12 – والدستور وقانون المحكمة الدستورية العليا لم يواجها إلا التشريع الذي يخالف الدستور حيث يكون جزاء ذلك عدم الدستورية، ويترتب على ذلك عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم. فأثر الحكم بعدم الدستورية يقتصر على النص الذي شابه عيب عدم الدستورية، ولا يمتد لغيره.
ولكن هناك من النصوص التشريعية التي ترتبط بالنص التشريعي المقضي بعدم دستوريته، فما هو مصير هذه النصوص؟
ثانيا ابتداع فكرة سقوط النص التشريعي:
13 – بدأت المحكمة الدستورية العليا بمواجهة حالة النصوص التشريعية المرتبطة بنص تشريعى مشوب بعدم الدستورية عن طريق اللجوء إلى القضاء بعدم دستورية تلك النصوص.فقد قضت بأن عدم دستورية أحد نصوص القانون يستلزم الحكم بعدم دستورية النصوص الأخرى التي ترتبط به ارتباطًا لا يقبل التجزئة([12])
فعدم الدستورية لا يقتصر على النص محل الطعن بعدم الدستورية وإنما يمتد الحكم بعدم الدستورية إلى النصوص التي ارتآت المحكمة أنها ترتبط ارتباطًا لا يقبل التجزئة بالنص المقضي بعدم دستوريته. وعندما كانت المحكمة تقضي ببطلان النص لعدم دستوريته كانت تقضى ببطلان المادة المرتبطة به ارتباطًا لا يقبل التجزئة فجزاء عدم الدستورية وهو البطلان يشمل النص المقضي بعدم دستوريته وما يرتبط به من نصوص أخرى ([13]).
14 – تطور قضاء المحكمة الدستورية إلى الحكم بسقوط النصوص المرتبطة بالنص المقضي بعدم دستوريته.
فقد دأبت المحكمة الدستورية العليا على الحكم بسقوط بعض النصوص التشريعية التي ترتكز على نص تشريعي قضت بعدم دستوريته.
وعلى سبيل المثال فقد قضت بعدم دستورية بعض مواد القانون رقم 107 لسنة 1976 بإنشاء صندوق تمويل مشروعات الإسكان. ولكنها أضافت أنه "بالنسبة لباقي أحكام التنظيم التشريعي لضريبة الأرض الفضاء، فإنها إذ ترتبط ارتباطًا وثيقًا لا يقبل التجزئة بالنصين المطعون عليهما في الدعوى الماثلة ومن ثم يترتب لزومًا على القضاء بعدم دستوريته سقوط الأحكام المشار إليها.
وتحدد المحكمة مدى الارتباط الوثيق بين كل نص وبين النص المقضي بعدم دستوريته.
ويتضمن منطوق الحكم ليس فقط الحكم بعدم دستورية النص وإنما يتضمن كذلك حكمًا بسقوط تلك المواد ([14]).
وجاء في حكمها بشأن عدم دستورية المادة 2/2 من قانون الضريبة على الاستهلاك الصادر بالقانون رقم 133 لسنة 1981، إن الحكم بعدم الدستورية للنصوص المشار إليها يعني بطلانها وسقوط النصوص المرتبطة بدونها" وقضت بسقوط مواد بعض الفقرات الأخرى وكذلك بسقوط قراري رئيس الجمهورية رقم 360 لسنة 1982 و 137 لسنة 1986 ([15])
وجاء كذلك في حكمها بشأن عدم دستورية المادة 83 من قانون ضريبة الدمغة الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 1980 بسقوط المواد 84، 85، 86، 87 من القانون لأنها "ترتبط بنص المادة 182 المطعون عليها ارتباطًا لا يقبل التجزئة بحيث لا يمكن فصلها عنه أو تطبيقها استقلالاً، وتسقط جميعها تبعًا لإبطال النص المطعون فيه ولا تقوم لها من بعد قائمة" ([16]).
فالحكم بعدم دستورية نص يستتبع سقوط النصوص التشريعية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا لا يقبل التجزئة بالنص المقضي بعدم دستوريته. وأوضحت أن عدم التجزئة يتمثل في أنه لا يتصور وجود هذه النصوص بدون النص المقضي بعدم دستوريته. وأنها لا يمكن فصلها عنه أو تطبيقها استقلالاً ولا تقوم لها قائمة بعد عدم دستورية النص.
وعبارة السقوط أو فكرة السقوط هي التي نتوقف عندها.
فالنص الساقط أو الذي لحقه السقوط غير مشوب في حد ذاته بعدم الدستورية.
ولا يمثل في نفس الوقت حكمًا موضوعيًا أو شكليًا مستقلاً عن النص المقضي بعدم دستوريته، بل يرتبط به ارتباطًا لا يقبل التجزئة.
ثالثًا: دوافع اللجوء إلى فكرة سقوط النص التشريعي:
15 –ابتدعت المحكمة الدستورية العليا فكرة سقوط النص التشريعي غير المشوب في حد ذاته بعدم الدستورية، ويرتبط بالنص المقضي بعدم دستوريته ارتباطًا لا يقبل التجزئة.
فهو في منزلة وسط بين الدستورية وعدم الدستورية، إذ إنه غير مشوب بعدم الدستورية وإنما يتبع مسيرة عدم الدستورية لما بينهما من ارتباط لا يقبل التجزئة. ويصبح مصيره مصير النص المقضي بعدم الدستورية بالرغم من أنه في حد ذاته غير مشوب بعدم الدستورية.
فالمحكمة تسعى لتطهير التشريع ليس فقط من النص غير الدستوري، وإنما بكل ما يرتبط به من نصوص. فإن كان قد قضي على الأصل فإن كل ما يتصل بهذا الأصل يجب أن يطهر منه التشريع كذلك. ولكن هذا النص المرتبط لا محل لعدم دستوريته وإلا قضي بعدم دستوريته، بل هو فرع اجتث أصله ومن ثم فإن مصيره السقوط. ومن هنا جاء اصطلاح السقوط. فإن اقتلع الأصل من جذوره سقطت الفروع. ولكن تلك الفروع تتمثل نصوصًا تشريعية. وكان لابد من إيجاد وسيلة قانونية أو دستورية لزوالها ومن هنا جاء اصطلاح وفكرة السقوط.
فمن حسن السياسة الدستورية ألا يبقى نص مهمل في القانون لزوال أصله. ولهذا كان لا بد من زواله كذلك وابتدعت المحكمة الدستورية فكرة سقوط هذه النصوص لتطهير التشريع من بقايا النص غير الدستوري. فهي نصوص ذبلت بزوال أصلها ومصيرها الذبول والسقوط.
16 – والسقوط لا يعتبر من وسائل إلغاء التشريع. فطبقا للمادة الثانية من القانون المدني، لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء، أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم، أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعد ذلك التشريع. ولا يدخل السقوط تحت حالات إلغاء التشريع الواردة في المادة السابقة.
17 – والمادة 49 من قانون المحكمة واضحة تمامًا في أن النص الذي لا يجوز تطبيقه هو النص الذي قضى بعدم دستوريته، ونضيف وحده دون غيره.
أما النص الذي فقد ركيزته المتمثلة في النص المقضي بعدم دستوريته، فإنه غير مشمول بعدم الدستورية وبالامتناع عن تطبيقه.
ولهذا كان القاضي الدستوري بالخيار بين أن يبقى تلك النصوص التي أصبحت غير قابلة للتطبيق، يبقيها بحيث تنقضى عملاً بعدم الاستعمال، إعمالاً لفكرة إلغاء التشريع بعدم الاستعمال خصوصًا بعد أن فقدت محلها أو موضوعها أو ركيزتها ([17])وبين أن يتخلص منها. والتخلص منها من شأنه أن يتخلص التشريع من النصوص المرتبطة والمرتكزة على النص المقضي بعدم دستوريته. فبقاء هذه النصوص بعد الحكم بعدم دستورية النص يشوه التشريع بوجود نصوص لا محل لها ولا معنى لها. وهذا قد يسئ إلى الحكم بعدم الدستورية ذاته إذ يؤدي ليس فقط إلى عدم تطبيق النص، وإنما يؤدي في نفس الوقت إلى أن يصبح التشريع المتبقي مشوهًا، حيث يتضمن نصوصًا غير قابلة للتطبيق.
ولكن ما هو السبيل لذلك. فلا يملك الحكم بعدم دستوريتها تبعا لعدم دستورية النص المقضي بعدم دستوريته. فهذا أمر خطير من حيث إن ابتداع عدم الدستورية التبعية قد يمثل افتئاتًا على السلطة التشريعية بالتوسع في نطاق عدم الدستورية.
18 – ومن هنا ظهرت عبقرية القاضي الدستوري بالاهتداء بل وابتداع فكرة السقوط. وهي تمثل مرحلة وسط بين عدم الدستورية وبين استبقاء النص. فالنص الساقط يرتكز على النص غير الدستوري، وفقد بالتالي أساسه وركيزته وسبب وجوده saraion d'être، فهو ساقط عملاً. والحكم بسقوطه هو إعلان لواقع قائم ولا يضيف جديدًا.
وبهذا يحتفظ التشريع بنقائه بعد الحكم بعدم الدستورية حيث لا يظل باقيًا في التشريع النصوص التي فقد مجال إعمالها ومن ثم سقطت فعلاً.
كما أن المحكمة الدستورية لم تعول على تدخل المشرع، بعد الحكم بعدم دستورية نص، ليعدل التشريع ويستبعد النصوص التي أصبح لا محل لها. فقد حرصت المحكمة على أن يكون الحكم بعدم الدستورية قابلاً للإعمال أصلاً ومايرتبط به دون ضرورة لتدخل المشرع. وأن يكون التشريع نقيًا واضحًا في نصوصه بعد إعمال الحكم بعدم الدستورية، مرتبًا آثاره دون حاجة لتدخل تشريعي لاحق قد يتحقق أو لا يتحقق، بل قد يتحقق بما لا يتفق مع الحكم بعدم الدستورية. فقد حرصت المحكمة على أن يكون الحكم قائمًا بذاته شاملاً مضمونه وآثاره مانعًا لأي خلاف في نطاقه، ومن حيث ما تبقى من التشريع بعد الحكم بعدم دستورية نص وما سقط تبعًا لذلك.
فالقاضي الدستوري لا يملك إلغاء نص تشريعي، ولا أن يقضي بعدم دستورية نص غير مشوب في حد ذاته بعدم الدستورية، ولهذا لا يسعه إلا أن يقرر سقوط نص زال سبب وجوده وكل مجال لإعماله بعدم دستورية نص يرتكز عليه.
كما لا يملك الحكم بعدم الدستورية إلا بالنسبة للنص المطعون بعدم دستوريته فقط. ولا يجوز له بالتالي أن يقضي بسقوط كل نص يرتبط بالنص المقضي بعدم دستوريته في أي قانون.
19 – ولقد فضلت المحكمة اللجوء إلى فكرة السقوط عن أن تأخذ بعدم الدستورية التبعية فسلطة المحكمة تقتصر على مراقبة دستورية القوانين والحكم بعدم دستورية أي نص يخالف الدستور. فالرقابة تنصب على النص غير الدستوري وحده.
وعدم الدستورية بالتبعية يعني التوسع في نطاق عدم الدستورية بما يتجاوز النص غير الدستوري ويثير شبهة تجاوز المحكمة لسلطاتها، فعدم الدستورية التبعية يعتبر ضربًا من ضروب عدم الدستورية ويمس في نفس الوقت نصًا لا يعتبر بذاته غير دستوري.
كما أن المحكمة ارتأت أن السكوت عن مصير تلك النصوص المرتبطة بالنص غير الدستوري قد يفسر على أن هذه النصوص تعتبر غير دستورية ضمنًا أسوة بالإلغاء الضمني للتشريع. والسكوت يعني وجود النص ويثير في نفس الوقت صعوبة تفسير وتحديد نطاق عدم الدستورية.وهل عدم الدستورية تكون ضمنية كما تكون صريحة، وهو توسع قد يكون غير مقبول مراعاة لحدود سلطة المحكمة الدستورية ، كما أن خلافًا لابد وأن يثور عن المشمول ضمنًا بعدم الدستورية من عدمه.
رابعاً : أنواع النصوص التى يطالها السقوط:
والنص الساقط قد يكون نصا متضمنا لحكم موضوعى وقد يكون نصَّا اجرائيا.
20 –ففي مجال قوانين إيجار الأماكن قضت المحكمة بعدم دستورية ما جاء في الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 بشأن امتداد عقد الإيجار إلى شركاء المستأجر الأصلي في استعمال العين.
وقضت بسقوط الفقرة الثالثة بشأن ما جاء فيها من إلزام المؤجر بتحرير عقد إيجار إلى شركاء المستأجر الأصلي الذين يباشرون ذات النشاط التجاري أو الصناعي أوالمهني أو الحرفي.
فالسقوط يتعلق بحكم موضوعي وهو إلزام المؤجر بتحرير عقد إيجار للشركاء. فإذا قضي بعدم دستورية الامتداد للشركاء فلا محل لهذا الإلزام ويفقد أساس وركيزة وجوده ومن ثم يسقط. فيجب أن يخلو التشريع من أي نص أو حكم لم يعد هناكأى مجال لتطبيقه. فالنص الساقط فقد سند وجوده وهو النص الذي قضي بعدم دستوريته. ([18])
21 – وهناك حالات للسقوط تتعلق بنص إجرائي.ففيما يتعلق بقانون الضريبة على الاستهلاك قضت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون رقم 133 لسنة 1981 فيما يتعلق بتخويل رئيس الجمهورية بتعديل جدول الضريبة المرافق للقانون، فقد نصت بالإضافة لذلك بسقوط النصوص المرتبطة بهذه الفقرة التي تتعلق بوجوب عرض رئيس الجمهورية لقراره بتعديل جدول الضريبة على السلطة التشريعية خلال ميعاد معين وكذلك جزاء رفض السلطة التشريعية لقرار رئيس الجمهورية. فهذه النصوص الأخيرة تنظم إجراءات تنفيذ رئيس الجمهورية لسلطته في التعديل وبالتالي تسقط بعدم دستورية منح رئيس الجمهورية سلطة التعديل السابق الإشارة إليها.
خامسًا: أحكام السقوط وفقًا لقضاء المحكمة الدستورية العليا:
22 – واللجوء إلى السقوط أعطى المحكمة تأصيلاً متميزًا لمواجهة مصير النصوص المرتبطة بالنص المطلوب الحكم بعدم دستوريته، التي لم يطلب عدم دستوريتها.
فقد قضت المحكمة بأن طلب السقوط لا يعتبر طلبًا جديدًا منبت الصلة بما دفع به أمام محكمة الموضوع وإنما هو من قبيل التقديرات القانونية التي تملكها المحكمة الدستورية العليا فيما لو قضت بعدم دستورية نص معين، ورتبت السقوط للمواد الأخرى المرتبطة به ارتباطًا لا يقبل التجزئة. وهو أمر تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها حتى لو لم يطلبه الخصوم ([19]) وبهذا تغلبت المحكمة على العقبة المتمثلة في أنالخصوم لم يطلبوا أمام محكمة الموضوع عدم دستورية هذه المواد الساقطة. فلو كان الأمر يتعلق بعدم دستورية هذه المواد لكان من الضروري مراعاة طلب الخصوم ذلك.
كما واجهت المحكمة بذلك واقع أن هذه النصوص في حد ذاتها قد لا تكون مشوبة بعيب عدم الدستورية وخصوصًا إذا كانت نصوصًا إجرائية ليس فيها ما يخالف الدستور. وكل ما هنالك أنها فقدت فاعليتها بفقدان ركيزتها المتمثلة في النص المقضي بعدم دستوريته.
23 – كما أن السقوط أتاح للمحكمة أن تقضي بسقوط النص في نطاق ما قضي به من عدم الدستورية مع استبقائه خارج هذا النطاق. وبالتالي فإن السقوط يكون جزئيًا للنص من حيث نطاق تطبيقه في حالات مرتبطة بالنص المقضي بعدم دستوريته مع إعماله خارج هذا النطاق ([20]). أما لو لجأت المحكمة إلى عدم دستورية النص المرتبط بالنص المقضي بعدم دستوريته لما أمكن استبقاء النص الأخير في حالات أخرى. فالنص إما أن يكون دستوريًا أو غير دستوري فعدم الدستورية لا تتجزأ أو لا تتوزع بحسب نطاق تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته([21])
فالمحكمة تقضي بسقوط ما يتصل بالمادة المقضي بعدم دستوريتها فقط ([22])فالنص الساقط يفقد فاعليته في حدود ما قضي به من عدم الدستورية، فعدم فاعلية النص على أثر الحكم بعد دستوريته يمتد إلى النص الساقط تبعًا لذلك وفي نفس الحدود.
24 – السقوط لا يتقرر إلا بحكم من المحكمة الدستورية العليا، فهي وحدها المنوط بها تحديد ما يسقط من نصوص تبعًا للحكم بعدم دستورية نص معين. ولا يجوز أن تقضي بسقوط كافة النصوص التي قد ترتبط بالنص المقضي بعدم دستوريته في تشريع أو تشريعات ([23])فأثر السقوط هو عدم إعمال النص الساقطوهذا يستلزم تحديد تلك النصوص وهو ما تملكه المحكمة وحدها. فما لا يتقرر سقوطه يظل موجودُا قائمًا قابلاً للتطبيق. وما يتقرر سقوطه لتعذر تطبيقه لفقده ركيزته يتحدد في ضوء النص المقضي بعدم دستوريته وهو ما تملكه المحكمة الدستورية العليا دون غيرها. فهي وحدها التي تحدد النص غير الدستوري وما يرتبط به من فروع، فالأول لا يجوز تطبيقه، والثاني أي الفروع تسقط.
وتنشر النصوص الساقطة في الجريدة الرسمية مع نشر الحكم وما يتضمنه المنطوق من تحديد للنص المقضي بعدم دستوريته، وتحديد للنصوص الساقطة بالتبعية.
ولما كان الساقط كالمعدوم فلا محل لتطبيق هذه النصوص([24]).
وتحرص المحكمة على أن تحدد بدقة ما يسقط من التشريع، فهي تحدد ما يسقط من نص معين متى كان النص يتعلق بمسائل أخرى لا تتصل بالحكم المقضي بعدم دستوريته. فالمحكمة تحرص على ألا تترك مجالاً للاجتهاد في تحديد ما سقط من نص وإنما تحدده بنفسها وبدقة.
25 – أما عن تاريخ سقوط النص فهو نفس تاريخ عدم تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته. فقد يكون بأثر رجعي، وقد يكون بأثر مباشر من تاريخ اليوم التالي لنشر الحكم في الجريدة الرسمية. وقد يكون بأثر مستقبل إذا ما حدد الحكم تاريخًا لاحقًا لتاريخ النشر لسريان الحكم بعدم الدستورية وعدم تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته.
26 – وبناء عليه يمكن تعريف السقوط في مفهوم قضاء المحكمة الدستورية العليا بأنه فقد النص التشريعي المرتبط بالنص المقضي بعدم دستوريته لفاعليته تبعًا لانهيار الركيزة التي يقوم عليها وهو النص المقضي بعدم دستوريته.
فهو ليس بطلانًا ولا انعدامًا فهو صحيح في حد ذاته وإنما شلت فاعليته بانهيار الركيزة التي يقوم عليها نتيجة عدم دستورية ركيزته المتمثلة في النص الدستوري الذي قضي بعدم دستوريته.
وعدم الدستورية يقتصر على النص المقضي بعدم دستوريته، أما النص الساقط فلا يوجد ما يمس دستوريته في حد ذاته. وإنما هو يسقط أى يفقد فاعليته وسبب وجوده وهو النص المقضي بعدم دستوريته.
27 -ومما يلفت النظر أن فكرة السقوط بالمعنى السابق قد عرفها قضاء النقض أحيانًا في عبارات صريحة، وأحيانًا أخرى طبقت الفكرة دون استخدام الاصطلاح. بل أن فكرة السقوط داعبت فكر الفقه الفرنسي في القانون الخاص ووصل الأمر إلى تقنين السقوط في تعديل القانون المدني الفرنسي في سنة 2016.
ولقد كان لقضاء المحكمة الدستورية العليا الفضل في التنبيه إلى فكرة السقوط وإن كان في مجال النص التشريعي، إلا أنه لفت الانتباه إلى العبارات التي جاءت عرضًا أو عمدًا في القضاء المدني المصري وكتابات الفقه التي دعت إلى بحث هذا الموضوع ومدى إمكانية الربط بين سقوط التشريع وسقوط التصرف القانوني وما قد يقوم بينهما من صلة أو فوارق.
المبحث الثاني
سقوط التصرف القانونى
28 –وردت عبارة السقوط في ثنايا القانون المدني، مثل سقوط الشفعةفى المادة 948، والفارق بين مدد التقادم ومدد السقوطالتىلايرد عليها الوقف أو الإنقطاع، وسقوط الحق في طلب إبطال العقد طبقًا للمادة 140/1 وسقوط دعوى البطلان


